مركز تحميل الصور

جهاز التفتيش التربوي والحاجة إلى مراجعة الذات





  كثر الحديث هذه الأيام عن أداء المنظومة التعليمية المتعسر إصلاحها. أسهب الكثيرون في وصف أعطابها واستجلاء نقائصها، وانساق الآخرون كرها إلى القبول بهزالة حصيلتها والتسليم بضحالة مخرجاتها ،وسط تبرير رسمي يلعب على الأرقام والإحصائيات بمنطق ليس بالإمكان أبدع مما كان ولربما مما سيكون . لكن قليلون هم من ذهبوا إلى تقصي عوامل خفية لا تظهر بالعين المجردة ،ساهمت في تعطيل نجاعة المنظومة التربوية وتقليص أدائها، هي أدوار ووظائف مصاحبة للأداء الميداني،يختلط فيها الوضع الإعتباري المفروض بهاجس" الواجب" بالأداء الذي لا يكاد يظهر له أثر على سير المنظومة و تنتصر فيه الديماغوجيا على البيداغوجيا بتواطؤ مزمن يصعب تجاوزه.
       مناسبة هذا الحديث الموسوم بالأزمة لن نتركها تمر دون أن نعرج على واقع هيئة التفتيش بوزارة التربية الوطنية.هيأة يراد لها أن تتصدر المشهد التعليمي وتختزل كل أدواره ، ويعبئ أفرادها ذواتهم لأجل ألا يتركوا أي مناسبة دون أن يشيدوا بجدارتهم في هذه الصدارة. لكن هل نحاسب الناس على أقوالهم أم على أفعالهم وإنجازاتهم على أرض الواقع؟
  لم تتأكد إنجازات هؤلاء ولا ظهر لهم أثر في المردودية الصفية التي هي محك نجاعة المنظومة التربوية، ولم تتطور أساليبهم في العمل والتنظير إلا فيما نذر. بل أصبح تدخلهم في عمل المدرس مصدر إحباط ومقدمة لمسلسل التيئيس من أي مبادرة أو إبداع يقدم عليه هذا الأخير. لم يتخلص منتسبو هذه الهيئة من الكليشيهات القديمة ومنها الإصرار على رفض التسمية الجديدة "المشرف التربوي " بما تعنيه هذه التسمية من معاني المصاحبة والمواكبة، وبالمقابل تراهم ينزعون إلى ترجيح البعد المراقباتي الذي يتساوق مع رغبتهم في الإحتفاظ بتسمية "المفتش" وما تحيل عليه في الثقاقة المهنية العابرة للقطاعات الحكومية ، من معاني الإكراه والضبط.
       أولى الخيبات التي لاحقت جهاز التفتيش على امتداد الشهور الأخيرة،إقصاؤها من التمثيلية بالمجلس الأعلى للتعليم،الذي يعد هيأة تقريرية عليا بالبلد. تلاها استمرار إغلاق مركز تكوين مفتشي التعليم ،بعد اشتغال مؤقت لأربع سنوات ،وهو إغلاق ينذر بتجفيف مصدر وحيد لتأهيل الأطر الجديدة في الجهاز،تمهيدا لإلغائه.
   السادة المفتشون،وفي بيان صادر عن جمعيتهم،يؤكدون على استراتيجية أدوارهم داخل المنظومة التربوية،ويحذرون الوزارة الوصية من التمادي في تجاهل مطالبهم التي تتحدد أساسا في درء كل أسباب الفناء الذي يتهددهم،والبقية مجرد تفاصيل. لهذا فهم مدمنون على الشكوى من سوء أحوالهم ، وعند التقصير في أداء مهامهم التي يقولون أن لا مستقبل للأداء التربوي دون مساهماتهم فيه،فهي تتذرع بعدم تفعيل مبدأ الإستقلالية الوظيفية التي تطالب بها في كل مناسبة،
  إن وضع التفتيش التربوي في منظومتنا التعليمية يكرس تناقضا مريعا،فكيف يطالب رجاله بالتعويضات الكيلومترية عن زيارة يقومون بها مرة أو مرتين في السنة ،ويحرم منها من يكتوون بنيران التنقل اليومي أو الغربة بين جدران مؤسسات نائية ومقصية من شروط الحداثة؟ أليس في هذا الأمر شيء من الحرج؟
       أسباب معقولة ودواعي منطقية جعلت هيأة التفتيش التربوي تحت دائرة الضوء من جديد، بعد أن اسنأنست لسنوات، واقع الدعة والدلال، والعمل كيفما اتفق ؛ أي بشروط تفظيلية بالقياس إلى باقي الأطر،مع اشتراط عدم التقيد ببرنامج عمل محدد بالتوقيت اليومي..أما وزارة الوصية  فما فتئت تتراوح بين الإسرار والإعلان عن عدم وجود موقف واضح من الوضع المهني لهذه الهيئة. فتارة تقصيها وتارة ترضيها. ولا تريد أن تحدد أدوارها بوضوح لأنها ربما تفطن من حين لآخر أن لا جدوى من تدخلات هذه الهيأة لأنها لا تؤدي دورا حاسما في الإرتقاء بالمنظومة ، وهذه حقيقة يجب أخذها على محمل الجد لمناقشتها بإشراك الطرف الآخر ليبسط دعواه. قبل أن تعمد الوزارة إلى التفكير في تعويض أو إلغاء مالا تراه مناسبا لروح المرحلة،في ضوء ما يجود به خبراء الميدان الذين يجوبون الأرض طولا وعرضا بحثا عن صيغ جديدة للتجديد.
       ما نستطيع أن نخلص إليه في نهاية المطاف، بشأن هذا الجهاز، هو أنه الآن بصدد البحث عن الذات ،أو بالأحرى البحث عن استرجاعها.فإما  أن يتحلى بالإبداع والإبتكار،وينخرط بأدوار جديدة وفلسفة جديدة في دعم وإسناد المنظومة التربوية . وإما أن يصر على إيهام نفسه بمركزية مزعومة ،تضخمت معها أناه ، وتضاءل دوره،حتى أصبح المفتش في رأي الكثيرين :زائدة دودية متورمة يجب استئصالها ،حتى لا يستفحل الداء ويفتك بالجسم كله.
محمد اقباش

ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق