أصبحت مؤسساتنا
التعليمية حبلى بالصراعات والنزاعات الفضة ، عاكسة صورة سلبية عن واقعها
وواقع العاملين بها والمرتادين لها ، ومن ثمة فقدت بعدها الرمزي ووضعها
الاعتباري . مما يجعلنا نطرح الأسئلة التالية : ما هي الأسباب الكامنة وراء
ذلك ؟، وكيف يمكن إرجاع الثقة إلى مدرستنا العمومية وتطويرها حتى تساير
ركب التحولات المجتمعية والاقتصادية التي يعرفها بلدنا ؟ وتنتج أجيالا
قادرة على الخلق والإبداع والابتكار ؟ متشبعة بالروح الوطنية مدافعة عن
الهوية المغربية الغنية بتنوعها البيئي واللغوي والثقافي وموقعها
الجيوستراتيجي . كيف نخلق جسر التواصل الفعال بيننا كمسؤولين تربويين داخل
المدرسة العمومية وبين تطلعات واهتمامات المتعلمين وجعلهم في قلب
اهتماماتنا اليومية ، بدل الانغماس في الذاتية والسقوط في أحكام القيمة ؟
هل مشاكل مدرستنا العمومية هيكلية ؟ أم يمكن تحديدها في طبيعة الإدارة
التربوية ؟ هل الإدارة التربوية تملك من المعرفة والمهارات والإمكانات ما
يجعلها قادرة على حل الصراعات والنزاعات بأساليب تربوية ملائمة ضامنة
للنجاعة المرجوة ، أم تنظر إلى النزاعات بعين الريبة والعصيان والتمرد؟
في غياب دراسات علمية و أكاديمية
مستقلة مبنية على بحوث تربوية وميدانية متخصصة ،والتي هي من صميم أدوار
الأكاديميات والجامعات والتي من المفروض أن تقوم بها . تبقى كل الأطروحات
التي نوردها في هذا المقال المتواضع نابعة من ممارستنا اليومية ، لا ندعي
أنها ترقى إلى خاصيات البحث العلمي في شموليته ، بل مستمدة من تجربة ذاتية
في واقع الميدان ومستشرفة المستقبل بأحلام وردية نتمناها لصورة مدرستنا
العمومية ، ومن خلالها لفلذات أكبادنا الذين هم نساء ورجال المستقبل .
إن ما يقع بمدارسنا العمومية راجع
إلى التحولات المجتمعية السوسيو ثقافية التي يعرفها بلدنا في محيطه
العالمي . هذا التغير لم تستطع المدرسة العمومية أن تستوعبه بحكم دورها
التربوي أولا والتعليمي ثانيا ، ونحن نعلم أن التربية التقليدية تنحو
دائما إلى المحافظة و الدفاع عن الموروث عبر إعادة إنتاج القيم السائدة
وتكريسها كما يؤكد بيير بورديو وكلود باسرون في كتابهما: (إعادة الإنتاج،
في سبيل نظرية عامة لنسق التعليم ) لكن في زماننا هذا لم تعد المدرسة محصنة
ولم تعد تورث القيم ، بل مؤثرات العالم الخارجي أصبحت فاعلة فيها ومنازعة
لها. يبرز ذلك في تنازع الأدوار بين المدرسة ومجال التطور التكنولوجي
المعلوماتي ( أصبح العالم قرية صغيرة) ، بدأت المدرسة تفقد بريقها ودورها
ومعها الفاعلون التربويون ، وبرزت ظواهر جديدة لم يستطع المدبرون
الإداريون والتربويون استيعابها والتفاعل معها ومسايرتها واستغلال جوانبها
الإيجابية .مما نتج عنه تجاوز أبنائنا لنا وانجذابهم للعالم الافتراضي
الذي يستجيب لرغباتهم وحاجاتهم الذاتية والجماعية والتي توفرها لهم وسائل
التواصل الاجتماعي بإغراء ويسر آسر، ومرد ّذلك - في اعتقادنا - أن الفاعل
التربوي ظل رهينة للمنظور التقليدي للعملية التربوية والتعليمية . إن هذا
الوضع المختل قد عقد مهام الإدارة التربوية وجعلها أقرب إلى مهمة الإطفائى
الذي يجد نفسه متورطا في حريق مهول يحيط به من كل جانب ولا يملك الإمكانات
اللازمة لمواجهة المأزق، فإما أن يحترق أو ينجو بنفسه تاركا النار تأتي على
الأخضر واليابس.؟
إن ما تعيشه مؤسساتنا التعليمية من
انزلاقات واختلالات راجع إلى عدم توفير الشروط الموضوعية لتحصينها
وتأهيلها لوظيفتها الحقيقية وعلى رأسها إدارة تربوية مختصة ومؤهلة مهنيا .
وفي هذا السياق، نستحضر بعضا من طروحات علم الاجتماع التربوي تجلية للرؤية وتعزيزا للرأي ، نقف عند توجهين بارزين :
توجه أول : يعتبر الإدارة التربوية
في نزاع وصراع مستمرين مع المتعلم ( المراهق) الذي يحاول بناء ذاته
والثورة على قيم المؤسسات التعليمية وأهدافها ، لأنها تحد من اندفاعه
وتفريغ طاقته، تسهر على النظام والانضباط وتطبيق القانون والزجر وقراراتها
فوقية تحرم باقي الفاعلين من المشاركة وإبداء الرأي والانخراط في تسيير
هذا المرفق العمومي . ويضيف هذا الرأي أن مفهوم السلطة التربوية داخل
النظام التقليدي معارض ومعاكس للمبادئ الديمقراطية وله تأثير غير تربوي على
المتعلم ، وأن نظرية الإدارة التربوية نظرية (مزيفة ) تسربت إلى مفاصل
الجسد التربوي من الإدارة الصناعية والتجارية عبر شرعية النظريات السلوكية
التي تسوغ العمل بمبدأ ( مؤثر/ استجابة) ، حيث أضحت الإدارة التربوية مجرد
أداة تستجيب لمؤثرات داخلية وخارجية .
توجه ثان : ينتقد التوجه السابق
ويعتبره مبنيا على أساس منطلقات غير علمية وعلى سوء فهم لوظيفة الإدارة
التربوية بالمؤسسة التعليمية الحديثة : يراهن أصحاب هذا التوجه على أن
الإدارة التربوية لا يمكنها تحقيق المبتغى والأهداف المرسومة للمنظومة
التربوية إلا إذا كانت واعية بجسامة وظيفتها الاجتماعية والتاريخية ( صناعة
المستقبل ) .ولتحقيق هذا الرهان لابد من تأهيلها بواسطة تدريب وتكوين أساس
ومستمر ، وإعطائها القوة والسلطة على أساس المعرفة والمهارة والقدرة على
الإنصات والتواصل وخلق الرغبة والحافزية لدى الموارد البشرية وتلبية
احتياجاتها والقدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب بمنهج
تشاركي . معتمدة على كفايات ومهارات إقناعية من أجل التغيير وإدارة الصراع
بدل فضه .
في رأينا المتواضع ، نعتبر النزاع سمة
من سمات الحياة في شموليتها وخاصية الحياة الإنسانية ، بل النزاع حاضر في
الكون والطبيعة والفيزياء... وقد أكدت ذلك مجموعة من الدراسات المتخصصة
،واعتبرته دافعا أساسيا للتغيير والتطور وخلق التوازن ، لكن في المدرسة لا
يعدو أن يكون نزاع أفراد أوجهات - في غالب الأحيان - مرتبطا بمصلحة
ذاتوية، وأحيانا مرتبطا بتوجهات إيديولوجية وسياسية ... والأنكى ، من ذلك
أن يكون الصراع مفتعلا أو ناجما عن جهل القوانين المنظمة للعمل أو تجاهلها
(لغاية في نفس يعقوب ) . وفي هذا خطر على السير العادي للمؤسسة ، لأنه
يزيحها عن رسالتها التربوية النبيلة ، ويحولها إلى فضاء لتصريف نزاعات
وانحرافات بأشكال شتى . تحول سيؤثر- لا محالة - على المردودية والإنتاجية ،
ويؤدي إلى نتائج عكسية مادية ونفسية ، و إلى الانعزالية والفردانية
والتقوقع على الذات ويفرز ظواهر انحرافية تعصف بالقيم المثلى للمجتمع
المدرسي . ويصبح النزاع غاية في حد ذاته ، وليس اختلافا حول منهجية العمل
وطرق التدبير أو البحث عن حل المشاكل .ومن مسببات النزاع أيضا غموض مهام
الإدارة التربوية وتداخلها مع اختصاصات أخرى. والأهم، غياب تعاقد واضح قابل
للتنفيذ بين جميع أطراف العملية التربوية التعليمية من متعلمين ومدرسين
وأطر الإدارة التربوية ومفتشين وغيرهم. تعاقد مشروط بتوفير آليات الإجراء
العملي والتطبيق الميداني مع خلق أدوات التتبع والتقويم بكل مستوياته.
.إن النزاع ما لم يتم الوعي به من طرف
الفاعلين التربويين والإداريين بالمؤسسة والبحث له عن حلول عقلانية سيحول
المؤسسة إلى جحيم ولن تجد الأطراف المتنازعة بدا غير المواجهة واستدامة
الصراع ، بل قد يأخذ تجليات أخرى عبر سلوكات غير مدنية وتتحول إلى عنف
بشتى التمظهرات وذلك ما نراه اليوم بين أسوار مؤسساتنا التعليمية وفي
محيطها . حيث أصبحت الإدارة التربوية مغلوبة على أمرها ولم تعد تقوى على
الفعل التربوي الحقيقي المستمد من الأهداف السامية للمنظومة التربوية ،
غارقة في المشاكل اليومية في غياب الموارد البشرية والمادية والمالية ، في
الوقت الذي نجد فيه التشريعات والقوانين المنظمة لعملها لا ترقى للأهداف
المتوخاة منها ولا تحميها قانونيا أثناء مزاولة عملها لأنها مهمة تكليفية .
ذ بوشعيب حافظي
مدير مؤسسة تعليمي